عمر السهروردي
573
عوارف المعارف
الفناء ، لأن الهيبة والأنس قبل الفناء ظهرا من مطالعة الصفات من الجلال والجمال ، وذلك مقام التلوين ، وما ذكرناه بعد الفناء في مقام التمكين والبقاء من مطالعة الذات . ومن الأنس خضوع النفس المطمئنة ، ومن الهيبة خشوعها والخضوع والخشوع يتقاربان ويفترقان بفرق لطيف يدرك بإيماء الروح . ومنها القرب . قال اللّه تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ . وقد ورد ( ( أقرب ما يكون العبد من ربه في سجوده ) ) فالساجد إذا أذيق طعم السجود يقرب ، لأنه يسجد ويطوى بسجوده بساط الكون ما كان وما يكون ، ويسجد على طرف رداء العظمة فيقرب . قال بعضهم : إني لا أجد الحضور فأقول يا اللّه أو يا رب فأجد ذلك على أثقل من الجبال . قيل : ولم ؟ قال : لأن النداء يكون من وراء حجاب ، وهل رأيت جليسا ينادى جليسه ، وإنما هي إشارات وملاحظات ومناغات وملاطفات . وهذا الذي وصفه مقام عزيز متحقق فيه القرب ، ولكنه مشعر بمحو ، ومؤذن بسكر ، يكون ذلك لمن غابت نفسه في نور روحه ، لغلبة سكره ، وقوة محوه ، فإذا صحا وأفاق تتخلص الروح من النفس ، والنفس من الروح ، ويعود كل من العبد إلى محله ومقامه ، فيقول يا اللّه ويا رب بلسان النفس المطمئنة ، العائدة إلى مقام حاجتها ومحل عبوديتها . والروح تستقل بفتوحه وبكمال الحال عن الأقوال ، وهذا أتم وأقرب من الأول ، لأنه وفي حق القرب باستقلال الروح بالفتوح ، وأقام رسم العبودية بعود حكم النفس إلى محل الافتقار ، وحظ القرب لا يزال يتوفر نصيب الروح بإقامة رسم العبودية من النفس .